بقلم ياسر الجبالي
لسنوات طويلة، عاشت الشعوب تحت قبة سردية تقول إن العالم يتجه نحو نظام أكثر عدلًا وإنسانية. كانت الفكرة السائدة تعبّر عن أمل عميق في أن القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والقانون الدولي ستصبح القواعد التي تحكم العلاقات بين الدول. ومع ذلك، يبدو أننا اليوم إزاء انهيار تام لهذه السردية، مما يستدعي تساؤلات حول واقع النظام العالمي المعاصر.
قبل عقود، كانت السردية الكبرى تشير إلى تقدم الإنسانية. تم الترويج لفكرة أن الديمقراطية وحقوق الإنسان لن تكون مجرد شعارات، بل قواعد عمل يُستند إليها لتشكيل العلاقات الدولية. طُرحت تصورات عن عالمٍ يُحترم فيه القانون، وتُعطى فيه الشعوب المظلومة فرصًا لحماية حقوقها.
لكن ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو انكشاف كامل للنظام الذي عمل على تعزيز هذه القيم. الأحداث الأخيرة عبر العالم، من الصراعات العسكرية إلى انتهاكات حقوق الإنسان، تلقي بظلالها على الفكرة السابقة بأن هناك اتجاها عالميًا نحو العدل. بدلاً من ذلك، يزداد اليأس في وجه الفوضى والجور.
تحول النظام العالمي من دولة تعلن الالتزام بالقيم الأخلاقية إلى نظام يتبنى القوة الصارخة بلا تحفظات. أصبحت القوة هي اللغة السائدة، حيث تُعدّ المصالح الوطنية بديلاً عن الجوانب الإنسانية. في هذا السياق، يمكننا ملاحظة عودة الانقسام بين القوى العالمية والدول النامية، حيث تُهان القيم التي طالما تم الترويج لها.
هذه المقالة ليست دفاعًا عن الشرق أو هجاء للغرب، بل هي دعوة لفهم كيفية انهيار الوهم. يجب علينا أن نتساءل: كيف يمكن أن نعيد بناء نظام عالمي يعتمد على قيم إنسانية حقيقية؟ هنا تكمن أهمية التركيز على الحوار البناء والتفاهم بين الثقافات، بدلًا من التصادم والعنف.
إن العودة الى الأساسيات ضرورية. يجب أن تشمل النقاشات العالمية جهودًا مشتركة لإعادة تقييم ما تعنيه القيم الإنسانية اليوم ولمن تعود بالفائدة. بديلًا عن فقدان الأمل في مستقبل أكثر عدلًا، يجب أن نُحفز تفكيرنا ونجد طرقًا لبناء عالم يمكن أن يستند إلى القيم التي حلمنا بها. الفوضى الحالية ليست نهاية الطريق، بل هي دعوة لإعادة النظر في المسار الذي نسير فيه جميعًا.
التسميات
مقال